محمد سعيد رمضان البوطي

280

فقه السيرة ( البوطي )

على أنه ينبغي أن لا يفوتك أن الدعوة السلمية بالحكمة والمناقشة والموعظة الحسنة في كل مجال ومكان ، أمر لا بد منه إلى أمد طويل قبل ذلك وحينما ينفذ المسلمون أمر هذه الدعوة على حقيقتها ستزداد يقينا بأن الإسلام دين الفطرة وأن الناس - من أي قوم كانوا - سيجدون في هذا الدين ضالتهم المنشودة ، ولن يستمر على التخلف عنه إلا الحاقدون ، وذلك أكبر دليل على عدوان مبيت في نفوسهم على الإسلام ودعاته . كما ينبغي أن لا يفوتك أن أمر هذا الإلزام الذي ذكرناه ، إنما هو خاص بالملحدين والمشركين والوثنيين ومن لف لفهم ، أما أهل الكتاب فلا يلزمون - كما تعلم - إلا بالخضوع لنظام المجتمع الإسلامي اعتمادا على أن إيمانهم باللّه تعالى مع احتكاكهم بالمسلمين ومعايشتهم له سينبههم إلى جادة الصواب ويحملهم على تقويم العقيدة . ثم إن في قصة الكتب التي أرسلها صلى اللّه عليه وسلم إلى الملوك والرؤساء دلالات وأحكاما كثيرة نجملها فيما يلي : أولا : إن الدعوة التي بعث بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إنما بعث بها إلى الناس كافة ، لا إلى قوم بأعيانهم ، وأن رسالته إنما هي إنسانية شاملة ليس لها طابع عنصرية أو قومية أو جماعة معينة ، ولذلك اتجه صلى اللّه عليه وسلم بدعوته يبلغها إلى كل حكام الأرض وملوكها ، روي عن أنس رضي اللّه عنه ، أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر والنجاشي وإلى كل جبار ، يدعوهم إلى اللّه تعالى . ثانيا : يدلك موقف هرقل مع أتباعه الذين كانوا يزعمون أنهم كانوا على دين عيسى عليه الصلاة والسلام ، على مدى التكبر على الحق والتعنت في الباطل عند كثير من أهل الكتاب ، وهم الذين تحول الدين في تصورهم إلى تقاليد وعصبية ، فلا ينظرون إليه من حيث إنه حق أو باطل بمقدار ما يتمسكون به من حيث إنه جزء من تقاليدهم ومظهر لعصبيتهم وشخصيتهم وليكن بعد ذلك إذا شاء حقا أو باطلا ، ولقد بدى موقف هرقل بادىء الأمر في مظهر المتدبر المقدر لحقائق الأمور ، ولكن يبدو أنه كان يسوس بذلك رعيته وحاشيته ويجس نبضهم ، ليطمئن إلى ما ينبغي أن يفعله حفظا على ملكه وسلطانه حيال هذا الأمر . ثالثا : دل عمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا على مشروعية اتخاذ الخاتم ، وكان خاتمه صلى اللّه عليه وسلم من فضة ، كما دل على مشروعية نقش اسم صاحبه عليه وقد استدل كثير من العلماء بذلك على استحباب وضع خاتم من فضة في الأصبع التي كان صلى اللّه عليه وسلم يضع خاتمه فيها ، وهي أصبح الخنصر .